ابنة غزة

الحقيقة العارية بأنني لم أكن جسورة يوما أمام الموت، من يتوقع بأنني تربيت في شوارع مدينة غزة منذ نعومة أظافري، حيث لا يفارق الجنود الإسرائيليين ذاكرتي وهم يغلقون الشوارع بسيارتهم “الجيب الخضراء”. أختي الكبيرة كانت تصطحبني إلى المدرسة يوميا، الطريق طويلة ومعقدة لابنة في السابعة من عمرها. اكتشفت لاحقا بعد خروجهم من غزة، بأنهم كانوا قد أغلقوا بعض الشوارع بالكامل بأنابيب كبيرة ضخمة، ليتمكنوا من السيطرة على الشارع، لكن بالنسبة إلى طفلة؛ قد أغلقوا طريقي المختصرة إلى المدرسة ما زلت أتذكر الجنود وهم يقتحمون بيتنا للتفتيش عن مقتنيات باهظة الثمن كالذهب والأموال، لعلمهم بأن الناس تحتفظ بما هو قيم داخل المنزل وليس في البنوك. كبرت ولم تنتهي الحروب، ولا المظاهرات ولا رمي الحجارة، أو القصف، أو الاغتيالات، لم أعتد هذا الخوف، ولم أتعود على صوت القذائف، كنت أختار كتابا أحيانا لكي أتحايل على هذا الرعب في  أني قد ألقى مصرعي صدفة، وأصبح مجرد رقما

أول عدوان تم شنه على غزة في نهاية ال 2008، كانت قصتي التي قصمت ظهر البعير، التجربة الرهيبة التي أُجبرنا أن نتأقلم عليها وعلى ظروفها القاسية، منها موت ابن الجيران في الشارع لمروره صدفة بجانب أحد الأبنية، أو غياب عائلة بشكل كامل من السجل المدني، والقلق الليلي، حيث لا تتوقف القذائف، سواء التفجيرية أو الاستطلاعية أو الصوت المرعب

انا ابنة غزة، لكنني كنت أخاف من صوت الطيارات في سماءها، تعودت رائحة البنزين في الشوارع، لكني لم أعتد صور الجرحي والشهداء يوما؛ ببساطة كنت أتحاشاها، نعم عشت في داخل غزة، لكنني نجحت في عدم رؤية هذه الصور، وهذه الحقائق؛ ربما لأنني لم أكن مستعدة لأقبل الموت كأمر واقع! أو لأنني أمتلك قلبا ضعيفا جدا

ربما كنت أنانية، لكنني لم أكن أريد أن أعيش تجربة العدوان والموت مجددا، لذلك كنت أدعو الله و أبذل قصارى جهدي لأغادر قبل حدوث عدوانا آخرا، ونجحت ! نعم نجحت! 1

يبدو حبي للحياة وخوفي كانا قويان، لأنني نجوت الحروب التالية فعلا، رغم البعد والمسافات، إلا أنني لا أنسى، وذاكرتي حية وقوية، في لحظة تصبح الطائرات الآمنة في سماء بلجيكا رعبا محتما لي، تذكرني بصوت طيارات ال اف 16 ليعود الخوف في دقيقة، ولا أنسى الأحلام التي تطاردني وأنا أحاول أن أفر مع عائلتي من قصف محتم على سطح منزلنا

  تعود إليّ هذه الذكريات في كل عدوان جديد على غزة، لتطاردني الأحلام

ذاكرتي الغزية لا تدعني أنسى! لا أقول ذاكرتي الفلسطينية، لأنني عشت حياتي العشرين في مدينة غزة، ولم أزر أية مدينة فلسطينية أخرى! تخيل! لمدة عشرين سنة.  يا لعدالة العالم! 1

عدوان غزة في 2021

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Blog at WordPress.com.

Up ↑

Create your website with WordPress.com
Get started
%d bloggers like this: